محمد جواد مغنية
276
في ظلال نهج البلاغة
الإمام ، ولا سر إلا علم الإمام بحقيقة الدنيا ، وأنها مطية الآخرة ، وأن أي عمل لا يترك أثرا طيبا في آخرة الانسان فهو هباء ، مع العلم بأن الأثر الطيب هو التجرد عن الأنانية والتضحيات لخير الانسانية . ( وقد رأيت من كان - إلى - الأنامل ) عجبا من الانسان يغتر ويأمل في الحياة الدنيا ، وهو يرى رأي العين مصير من جمع وحرص وأمن العواقب : كيف حمل على النعش جثة هامدة ، ينتقل من يد إلى يد ، ومن كتف إلى آخر ، ومع هذا لا يتعظ ولا يعتبر ( أما رأيتم الذين - إلى - آخرين ) . السابقون بنوا واقتنوا ، وتزوجوا ونسلوا ، وطالت منهم الآمال ، ولكن ما استقرت بهم الدار حتى رحلوا من القصور إلى القبور ، ومن العمار إلى الدمار . . والأموال التي جمعوها تقاسمها الأقارب ، أما الأزواج فمن نصيب الأباعد . وفي بعض كلامه : أما الدور فقد سكنت ، واما الأزواج فقد نكحت ، واما الأموال فقد قسمت . ( لا من حسنة يزيدون ، ولا من سيئة يستعتبون ) . من مات فات . . إذ لا عمل بعد الموت يزيد في الحسنات ، ولا توبة تمحو السيئات ( فمن أشعر التقوى قلبه برّز مهله ) . أشعر هنا من الشعار لا من الشعور ، والمعنى أن من ألبس قلبه ثوب التقوى فقد سبق إلى الخيرات ، ونجا من المهلكات ( فاهتبلوا هبلها ) . الهاء في هبلها للفرصة المستفادة من سياق الكلام أي بادروا في حياتكم إلى صالح الأعمال ، فهي وحدها الطريق إلى جنة النعيم . ( فإن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام إلخ ) . . ومثله في بعض حكمه : الدنيا دار ممر لا دار مقر . . اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل ( فكونوا منها على أو فاز ) أي استعجال ( وقربوا الظهور ) المطايا ( للزيال ) للرحيل من دار الفناء إلى دار البقاء . والخلاصة ان الإمام يزّهد بكلامه هذا في كل عمل لا يترك أثرا طيبا في الحياة ، ويرغَّب في العمل النافع الذي يترك أثرا ينتفع به الجميع ، لا فرد دون فرد ، أو فئة دون فئة .